دولة رئيس الوزراء السيد رامي حمدالله
رئيس مؤسسة ياسر عرفات السيد ناصر قدوة
سماحة المفتي الشيخ محمد حسين
أيها الحفل الكريم والإخوة والأخوات

أحيي الرئيس أبو مازن، وأحييكم، دولة رئيس الوزراء السيد رامي حمدالله، وجميع صحبكم الكرام. للرئيس أبو مازن ولكم أسال الله الحكمة والقدرة على صنع السلام المستحيل، أو التحضير له، في هذه الأيام الظالمة القاسية علينا جميعا، وفي الإعصار المهلك الذي ما زال يتكوّن في شرقنا كله.

أشكر مؤسسة ياسر عرفات التي دعتنا إلى هذا اللقاء في هذا المساء، لنحيي الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الرئيس ياسر عرفات، رحمه الله. شكرا لرئيس المؤسسة السيد ناصر قدوة وجميع الأعضاء فيها.

أشكر للقائمين على المؤسسة أن رتبوا لقاءنا في هذا المساء. وقفتي اليوم مع سماحة المفتي الشيخ محمد حسين لها رمز ومعنى كبير. هذا الرمز يقول إننا نسعى إلى واقع يكون فيه الفلسطيني إنسانًا ومواطنًا، لا يفرِّق بين فلسطيني وفلسطيني شيء سوى كفاءاته ومؤهلاته. إنّنا طبعًا مؤمنون، مسلمون ومسيحيون، ونريد أن يكون المسلم مخلصا لربه في إسلامه، ونريد للمسيحي أن يكون مخلصا لربه في مسيحيته. مع معرفتنا أن الإخلاص للدين لا يفرق بين مؤمن ومؤمن، مهما اختلف الدين، لأن الدين، كل دين، يقوم بعبادة الله سبحانه، وبرؤية وحدة الخلق فيه تعالى. فهو خالقنا جميعا. وهو يجمع بين خلقه. وقفتنا اليوم معا، الشيخ والبطريرك، رمز يقول لنا أن نسعي ونتجاوز العقبات، إلى أن نبلغ اليوم الذي يكون فيه كل فلسطيني أولا فلسطينيا، وإنسانا، ويكون قلبه كبيرًا يسع كل فلسطيني، فيساويه بنفسه: كذلك تبدأ فلسطين بالتكوُّن، منذ اليوم وإلى أن تولد.

قال السيد المسيح: "تُعَانُونَ الشِّدَّةَ فِي العَالَمِ، وَلَكِن ثِقُوا إِنِّي قَد غَلَبْتُ العَالَم" (يوحنا 16: 33). وقد عانينا الشدائد، والرئيس الراحل عانى الموت. وما زلنا نعاني من إعصار عالمي يهدد المنطقة كلها ويهددنا. ولكن بناء على الغلبة التي يتكلم عليها السيد المسيح، وهي غلبة الروح على الشر، على كل شر، بما فيه شر عدوان شعب على شعب، عدوان الشعب الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، وشر تحديد حريتنا، وشر بقائنا تحت الاحتلال، وبالرغم من الشر الذي في بعض السياسة العالمية القاتلة لنا، يبقى رجاؤنا في الله قويًّا. وبهذا الرجاء، نقول مع صاحب المزامير: "إنِّي أَسمَعُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الله، لِأنَّ الرَّبَّ يَتَكَلَّمُ بِالسَّلَامِ" (مزمور 85: 8). الله سبحانه يتكلم بالسلام، والناس وأسياد هذا العالم يتكلمون بالحرب. وأنا أرى أن الرئيس أبو مازن، وأنتم دولة الرئيس، وجميع العاملين معه، سمعتم هذا الصوت، صوت الله الذي يتكلم بالسلام وسرتم في طريقه. ولو أن إسرائيل ما زالت تفضل إله الحرب، وتفرض علينا حربا بدل الدولة والعدل والسلام، ولو أن بعض شعبنا غير صابر يريد أن يرد على الحرب بالحرب.

لنا، صوت الله هو الأقوى، وهو الذي نسمعه. "إنِّي أَسمَعُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الله، لِأنَّ الرَّبَّ يَتَكَلَّمُ بِالسَّلَامِ". وسلام الله هو سلام وحق وعدل، وحرية ودولة مستقلة، وهو القدس عاصمة، وصلاتنا في القدس من دون تصاريح.

جائزة اليوم تذكّر بما بدأ به الرئيس الراحل ياسر عرفات مع رفاقه الكثيرين، بدأ حلما هو الدولة الفلسطينية. وما زلنا ننظر إلى الحلم من بعيد. ولكننا نؤمن أنه سيتحقق. عدم وجود الدولة سببه ظلم غيرنا لنا. هذا صحيح. ولكن ظلم أنفسنا لأنفسنا أشد، وظلم بعضنا لبعض. فلسطين تتسع لكل الفلسطينيين، وتتسع حتى للمصالحة وإقرار العدل والسلام مع إسرائيل ومع شعوب العالم. والحرية التي ننشدها والعدل الذي ننشده، والدولة التي ننشدها تتطلب فلسطينيا يسع قلبُه أكثرَ من قلبه وحزبه وأناه، يسع كل فلسطين ومن ثم كل الفلسطينيين، بل كل ظالمينا، فيرضخون لما هو عدل وسلام.

للمسؤولين في السلطة، قال أحد القديسين من شمال إفريقيا، القديس أغسطينس، أسقف عنابة في الجزائر في زمنه، قال لشعبه: أنا أسقف عليكم ومسيحي معكم. وكذاك آمل أن يقول كل مسؤول في فلسطين: أنا حاكم عليكم، وفلسطيني معكم، وحاكم خادم لكم، أقاسمكم الوجود والمعاناة والبقاء والصمود.

أرجو أن تبقى معاناة الشعب هي مصدر الإلهام، مصدر إلهام المسؤولين ودليلهم. أرجو أن تكون قوتنا قوة الحكمة فينا، في السلطة وفي الشعب، ليس القوة التي تقتل، بل القوة التي تسترد الحرية وتبني الدولة، وتخرج الإنسان في فلسطين وفي إسرائيل من الوضع اللاإنساني الذي نحن فيه، فنعود كلنا إنسانا كريما بالكرامة التي كرمنا بها الله سبحانه.

أسأل الله أن يبدل ما يبدو لنا حتى اليوم مستحيلا، إنه على كل شيء قدير. هذه صلاتي وهذا أملي، وهذا سلامنا جميعًا.